أحمد بن يحيى العمري

31

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ما لا يستحسن من نغم الفريقين ، وأخذ محاسنهما ، ومزج بعضهما « 1 » ببعض ، والّف منهما الأغاني التي صنعها من أشعار العرب ، فأتى بما لم يسمع بمثله ، وكان يقال له : صناج العرب . قال إسحاق : وكان ابن محرز قليل المخالطة للناس ، فأخمل ذلك ذكره ، فما يذكر الآن غناؤه ، وأخذت كل غنائه « 2 » جارية لصديق له من أهل مكة كانت تألفه ، فأخذ الناس عنها ، ومات بالجذام ، قال إسحاق : خرج ابن محرز يريد العراق فلقيه حنين « 3 » فقال : كم منّتك نفسك من العراق ، قال ألف دينار ، قال : فهذه خمس مئة دينار ، فخذها وانصرف ، واحلف أن لا تعود . قال إسحاق : ولم يعاشر الخلفاء ولم يخالط الناس لأجل الداء الذي كان به ، ولما شاع ما فعله حنين لامه أصحابه ، فقال : لو دخل العراق لما كان لي معه خبز آكله ، ولا طّرحت وسقطت إلى آخر الدهر .

--> ( 1 ) في الأصل : بعضها [ المراجع ] . ( 2 ) في الأصل : عناية [ المراجع ] . ( 3 ) حنين : هو حنين بن بلوع الحيري المغني ، شاعر غزل موسيقي ، من كبار المغنيين ولد في الحيرة وكان في صغره يحمل الفاكهة ويطوف بالرياحين على بيوت الفتيات ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمطربين في الحيرة وغيرها ، ولع بالغناء والضرب على العود فأخذ عن علمائه وانفرد بصناعته في العراق لا يزاحمه فيها أحد ، وكان المغنون في عصره أربعة : ثلاثة في الحجاز : ابن سريج والغريض ومعبد ، وهو وحده في العراق ، فلما ذاعت شهرته كتبوا إليه أن يشخص إليهم ، فقصدهم واستقبلوه وقصدوا به منزل سكينة بنت الحسين والناس من حولهم ، فأذنت سكينة للناس إذنا عاما ، فامتلأ المنزل وسطحه ، ولما جلس يغني أبياتا من صناعته ازدحم الوقوف على السطح فسقط الرواق من تحته ، فسلموا جميعا إلا حنينا فإنه مات تحت الهدم ، فقالت سكينة : لقد كدر علينا حنين سرورنا ، انتظرناه مدة طويلة ، وكأنما كنا نسوقه إلى منيته ، كانت وفاته سنة 110 ه . ( الأغاني 2 / 341 ط الدار )